الإعلان بالنشر في ظل التحول الرقمي
يُعد الإعلان بالنشر من الركائز الأساسية لضمان حق التقاضي وتحقيق مبدأ المواجهة بين الخصوم، إذ لا تستقيم العدالة دون علم أطراف الدعوى بالإجراءات المتخذة ضدهم, وقد نظم قانون الإجراءات المدنية السوداني لسنة 1983 قواعد الإعلان تفصيلاً، فجعل الأصل هو الإعلان الشخصي، وأجاز – على سبيل الاستثناء – الإعلان بطرق بديلة عند تعذر الإعلان بالطريق العادي.
الأساس القانوني للإعلان بالنشر:
نصت المادة 44 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983 صراحة على الطرق البديلة للإعلان، حيث جاء فيها: «إذا اقتنعت المحكمة بأن المدعى عليه يتهرب لتفادي إعلانه أو إذا تبين لها لأي سبب من الأسباب أنه لا يمكن إجراء إعلان التكليف بالحضور بالطرق العادية، فللمحكمة أن تأمر بإجراء الإعلان بإحدى الطرق الآتية: (أ) بلصق صورة التكليف بالحضور في مكان ظاهر بدار المحكمة وعلى باب المنزل، (ب) بالنشر في إحدى الصحف اليومية، (ج) بأية طريقة أخرى تراها المحكمة مناسبة.»
ويتضح من هذا النص أن المشرّع:
لم يحصر الإعلان البديل في الصحف فقط، بل فتح الباب أمام المحكمة لاختيار أي وسيلة مناسبة تحقق غاية الإعلان، وربط صحة الإعلان باقتناع المحكمة بجدواه, كما أكدت الفقرة (3) من ذات المادة جواز اللجوء إلى الطرق البديلة ابتداءً متى اقتنعت المحكمة بأنها السبيل الأجدى، شريطة تدوين الأسباب في محضر الدعوى.
الإعلان بالنشر: فلسفته وحدوده العملية:
اعتمد المشرّع النشر في الصحف اليومية باعتباره – وقت صدور القانون – وسيلة واسعة الانتشار وقادرة على إيصال الإعلان إلى الجمهور, إلا أن الواقع العملي اليوم قد تغيّر بصورة جوهرية، إذ أصبحت الصحف الورقية، وحتى كثير من الصحف الإلكترونية، محدودة الانتشار والتأثير، ولا تمثل الوسيلة الرئيسية لتلقي المعلومات لدى غالبية المجتمع, وقد ترتب على ذلك أن الإعلان بالنشر في الصحف:
1/ غالبًا لا يحقق العلم الفعلي أو المفترض للمدعى عليه،
2/ يتحول إلى إجراء شكلي يفرغ النص من غايته،
3/ يفتح الباب للطعن في الأحكام بدعوى بطلان الإعلان،
4/ ويؤثر سلبًا على الثقة في الإجراءات القضائية.
دلالة المنشور القضائي وتوجهاته:
المنشور رقم (2025/10) الصادر من مكتب رئيس الجهاز القضائي يؤكد بوضوح:
1- السعي إلى تحسين الأداء القضائي،
2- تبسيط الإجراءات،
3- استخدام الوسائل التي تحقق الغاية من الإجراء دون الإخلال بصحيح القانون.
وهذا المنشور يُعد قرينة إدارية قوية على أن السلطة القضائية منفتحة على تطوير وسائل العمل القضائي بما ينسجم مع متطلبات العصر.
الإعلان بالنشر في ضوء التحول الرقمي:
في ظل توجهات وزارة التحول الرقمي السودانية، التي تهدف إلى إدماج التكنولوجيا في المرافق العدلية والخدمية، يصبح من الضروري إعادة النظر في مفهوم الإعلان بالنشر، استنادًا إلى ما يلي:
1/ المادة 44/1/ج التي تجيز أي طريقة تراها المحكمة مناسبة،
2/ القاعدة الأصولية: العبرة بالمقاصد لا بالأشكال،
3/ وأن النص القانوني مرن وقابل للتطور دون تعديل تشريعي فوري.
الحل المقترح: الإعلان الإلكتروني القضائي:
أولاً: إنشاء منصة إلكترونية رسمية للإعلانات القضائية
تنشأ وتدار بواسطة السلطة القضائية .
تكون معتمدة قانونًا كوسيلة من وسائل الإعلان بالنشر.
تُنشر فيها جميع الإعلانات التي يتعذر إعلانها بالطريق العادي.
ثانياً: اعتماد الإعلان الإلكتروني كطريق بديل مشروع
ويُعد الإعلان عبر المنصة الإلكترونية:
تطبيقًا عمليًا للمادة 44/1/ج، ووسيلة أكثر فاعلية من الصحف التقليدية، ويحقق الانتشار الواسع والعلم المفترض.
ثالثاً: ربط المنصة بوسائل التواصل الاجتماعي
تمكين مشاركة الإعلان عبر فيسبوك، واتساب، وغيرها, و دون المساس برسمية الإعلان أو سلامته القانونية , مما يعزز وصول الإعلان إلى المدعى عليه أو محيطه الاجتماعي.
رابعاً: توثيق الإعلان رقميًا
إثبات تاريخ ووقت النشر إلكترونيًا , حفظ الإعلان في قاعدة بيانات رسمية, إصدار شهادة إلكترونية تفيد تمام الإعلان.
خامساً: مرحلة انتقالية تجمع بين القديم والجديد
الجمع بين النشر في صحيفة يومية والنشر الإلكتروني , إلى أن يستقر العمل القضائي على كفاية الإعلان الإلكتروني.
الأثر القانوني والعملي للتطوير المقترح:
1- إن اعتماد الإعلان بالنشر الإلكتروني يؤدي إلى:
2- تحقيق الغاية الحقيقية للإعلان المنصوص عليها قانونًا،
3- تقليل حالات بطلان الإجراءات،
4- تسريع الفصل في القضايا،
5- مواكبة التحول الرقمي دون مخالفة النصوص القانونية،
6- تعزيز ثقة المتقاضين في العدالة.
الخاتمة
إن الإعلان بالنشر ليس غاية في ذاته، وإنما وسيلة لتحقيق العلم بالإجراء القضائي, وقد منح المشرّع السوداني المحكمة سلطة تقديرية واسعة لاختيار الوسيلة الأجدى للإعلان, وفي ظل التطور الرقمي، فإن الإعلان الإلكتروني الرسمي يُعد الامتداد الطبيعي والمنطقي للإعلان بالنشر، تطبيقًا لنص المادة 44، وانسجامًا مع توجهات الدولة نحو العدالة الرقمية.
MEELAWFIRM
7 يناير 2026