المطالبة بالأجرة خلال فترة الحرب بين فسخ عقد الإجارة وتخفيف الالتزام
المطالبة بالأجرة خلال فترة الحرب بين فسخ عقد الإجارة وتخفيف الالتزام
(في ضوء نظرية الظروف الطارئة ونظرية الاستحالة في القانون السوداني)
تُعد عقود الإجارة من العقود الزمنية المتراخية التي تقوم على تبادل المنفعة مقابل الأجرة، وتفترض بطبيعتها استمرار الظروف العادية التي تُمكّن المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة. غير أن اندلاع الحرب يُعد من أخطر الحوادث الاستثنائية العامة التي تقلب موازين الالتزامات العقدية، وتثير إشكاليات قانونية دقيقة عند مطالبة المؤجر بالأجرة عن فترة تعذّر أو تعسّر فيها الانتفاع.
أولاً: الأساس القانوني لقاعدة الظروف الطارئة:
أقرّ المشرّع السوداني نظرية الظروف الطارئة صراحة في المادة (117) من قانون المعاملات المدنية لسنة 1984، مستلهمًا إياها من الفقه المقارن، ومؤسِّسًا لها على مبدأ عام قوامه منع الضرر، وهو ما يتلاقى مع القاعدة الشرعية «لا ضرر ولا ضرار».
وتقوم هذه النظرية متى طرأت حوادث استثنائية عامة غير متوقعة، وجعلت تنفيذ الالتزام ـ وإن لم يصبح مستحيلاً ـ مرهقًا للمدين إرهاقًا يهدده بخسارة فادحة تتجاوز ثلث الالتزام.
ثانياً: تطبيق الظروف الطارئة على عقد الإجارة أثناء الحرب:
إذا حالت الحرب دون الانتفاع الكامل أو المعتاد بالعين المؤجرة، دون أن يصل الأمر إلى الاستحالة التامة، فإن التزام المستأجر بدفع الأجرة يبقى قائماً من حيث الأصل، لكنه يصبح مرهقًا.
وفي هذه الحالة، يكون الدفع القانوني السليم هو التمسك بتطبيق المادة (117)، وطلب تدخل المحكمة لردّ الالتزام إلى الحد المعقول، وذلك عبر:
تخفيض الأجرة عن فترة الحرب، أو تعليق استحقاقها جزئيًا بحسب مقدار الانتفاع الفعلي، أو إعادة التوازن العقدي بما يراعي مصلحة الطرفين.
ويُلاحظ أن قواعد الظروف الطارئة من النظام العام، فلا يُعتد بأي شرط تعاقدي يُلزم المستأجر بدفع كامل الأجرة مهما كانت الظروف.
ثالثاً: الدفع بالاستحالة وفسخ عقد الإجارة:
إذا بلغت آثار الحرب حدّ انتفاء المنفعة كليًا، أو هلاك العين المؤجرة كليًا أو جزئيًا، أو استحال على المستأجر الانتفاع بها استحالة مطلقة بسبب أجنبي لا يد له فيه، فإن الأمر يخرج من نطاق الإرهاق إلى نطاق الاستحالة.
وهنا يُطبق نص المادة (130) من قانون المعاملات المدنية، التي تقضي بانفساخ العقد بقوة القانون، وانقضاء الالتزامات المقابلة، وعلى رأسها التزام دفع الأجرة عن الفترة التي استحال فيها التنفيذ.
رابعاً: التفرقة بين انتفاء المنفعة وهلاك العقار:
انتفاء المنفعة المؤقت أو الجزئي: ينهض أساسًا لتطبيق نظرية الظروف الطارئة وتخفيف الأجرة.
هلاك العقار أو استحالة الانتفاع الكلية: ينهض أساسًا لتطبيق نظرية الاستحالة وانفساخ العقد دون أجرة.
خامساً: طرق الدفع في مواجهة المطالبة بالأجرة عن فترة الحرب:
يمكن للمستأجر، عند مطالبته بالأجرة عن فترة الحرب، أن يتمسك بأحد الدفوع الآتية بحسب الواقعة:
1- الدفع بتطبيق نظرية الظروف الطارئة وطلب تخفيض الأجرة أو وقفها جزئيًا لزوال المنفعة أو إرهاق الالتزام.
2- الدفع بالاستحالة إذا ثبت أن الانتفاع أصبح مستحيلاً بسبب الحرب، مع التمسك بانفساخ العقد قانونًا.
3- الدفع بانتفاء المنفعة باعتبار أن الأجرة مقابل المنفعة، فإذا زالت زال سبب الالتزام.
4- الدفع بهلاك العين المؤجرة كليًا أو بما يجعلها غير صالحة للغرض المتفق عليه.
الخلاصة:
إن مطالبة المؤجر بالأجرة عن فترة الحرب لا تُقاس بقياس جامد، بل تخضع لتكييف قانوني دقيق يوازن بين العدالة العقدية ومنع الإثراء بلا سبب. وقد منح القانون السوداني المحكمة سلطة واسعة إما لتخفيف الالتزام عند الإرهاق، أو لفسخ العقد عند الاستحالة، بما يحقق العدالة ويرفع الضرر، وهو جوهر نظرية الظروف الطارئة والاستحالة معًا.
MEELAWFIRM
20ديسمبر 2025