مذكرة إرفاق القانون الجنائي لسنة 1991م
لقد ظل إصدار قانون جنائي إسلامي في السودان نداء متصلا من قبل جماعة الشعب السوداني وجه إلى كافة الحكومات التي تعاقبت على الحكم في السودان وكان أول ما عنيت به ثورة الإنقاذ الوطني بعد فراغها من الأعمال الضرورية لتأمين سلامة البلاد ووحدتها، تأكيد هويتها وإصدار القوانين السودانية الأصلية المستمدة من الشريعة الإسلامية استجابة لتطلعات الجمهور من السودانيين ووفاء بالعهد الذي قطعته الثورة على نفسها.
وبعد مراجعة الرصيد المتوفر لدينا من التراث الذي قدم في السابق بالنظر إلى قوانين العقوبات لعام (1974م) وقانون العقوبات لسنة (1983م) ومشروعات القوانين الجنائية التي قامت بإعدادها جامعة الدول العربية والأزهر الشريف ودولة الإمارات العربية وباكستان وجمهورية مصر العربية، وما تمخض عن ذلك من مشروع للقانون الجنائي لسنة (1989م) قدم للجمعية التأسيسية الأخيرة وتمت إجازته بوساطتها في مرحلتي القراءة الأولى والثانية ثم عطلته النزاعات الحزبية والضغوط الأجنبية انتهينا بعد هذه المراجعة الدقيقة، إلى المشروع الجديد مع المحافظة على السمات الأساسية التي كانت محل اتفاق وهي:
(1) التبويب:
جاء تبويب مشروع القانون في قسمين قسم عام في صدر المشروع يتضمن الأحكام التمهيدية وسريان القانون وأساس المسئولية الجنائية وموانعها والشروع والاشتراك الجنائي ثم مبادئ الجزاء الجنائي، وقسم مفصل خاص يتضمن أعيان جرائم الحدود والقصاص و التعازير مرتبة ترتيبا موضوعيا.
(2) الضبط :
تم ضبط وإحكام الصياغة والتعبير عن المعاني، ومراعاة الفقه الجنائي المتطور، واستدركت العيوب التي أظهرتها تجارب التطبيق للقوانين السابقة والتزم بإثبات الأحكام الإسلامية والاستغناء عن الإسراف في تشقيق الصور المتعددة للجريمة الواحدة مما يتيح للمحكمة مراعاة تفاصيل الوقائع المعينة والظروف المشددة والمخففة ومثل ذلك جرائم المال كالسرقة والنهب والاحتيال وجرائم الموظف العام.
(3) الأصول:
اعتمد المشروع الشريعة الإسلامية كمصدر رئيسي للتشريع بحيث تبنى أحكامه على أصولها ومبادئها العامة وتضمن أحكام الحدود والقصاص والديات وأخذ المشروع في أحكام الجنايات والجزاءات باجتهاد يراعي أصول الشرع ويعتبر بالمذاهب الفقهية ويقدر مستجدات العصر و يلائم ظروف البلاد، كما استعمل المصطلح الفقهي لوصل القانون بالتراث الفقهي والعربي بقدر ما يناسب المصطلح الحديث والجاري في السودان .
(4) الاستحداث :
استحدث المشروع أحكاماً جديدة أبرزها استحداث جرائم حماية البيئة وجرائم الإرهاب وجرائم الاعتداء على الحرية الشخصية وتدابير الرعاية والإصلاح بشأن الأحداث والمرضى العقليين والشيوخ.
أما بشأن السياسة العقابية فقد قلل المشروع من عقوبة السجن وقلل من عقوبة الجلد إلا في الجرائم التي تدعو إلى الردع . كما استحدث عقوبات التغريب والنفي وميز العقوبات عن الجزاءات التعويضية.
(5) الاستبعاد :
استبعد المشروع الأحكام المتوسعة في التجريم السياسي وأجرى تعديلاً واسعاً لصالح الحرية في الجرائم السياسية ضد الدولة حيث استبعد المشروع المواد التي تنطوي على معاني فضفاضة غير منضبطة لا تتناسب مع قطعية القوانين الجنائية ومبدأ الشرعية. وكما استبعد المشروع الجرائم التي هي أقرب للمخالفات الإدارية وكثيرا من الشروح وقواعد الإثبات التي تضمنتها قوانين أخرى.
(6) الولايات الجنوبية :
لقد استثنى المشروع الولايات الجنوبية من سريان أحكام شرب الخمر والتعامل فيها وبيع الميتة والردة والسرقة الحدية والقذف ، من سريان عقوبات جريمة الزنا والقصاص إلى حين اكتمال أجهزتها التشريعية والفدرالية والتقرير بشأن الإحكام والعقوبات المذكورة وذلك التزاما بتوصيات ومقررات مؤتمر الحوار الوطني حول قضايا السلام .
(7) الانتقال :
عالج المشروع الآثار التي ترتبت على تعطيل تنفيذ الأحكام الحدية الصادرة بالقطع قبل صدور هذا القانون فعد ذلك التأخير شبهة تسقط الحد أخذا برأي الإمام أبو حنيفة وصاحبيه مع النص على عقوبة تعزيرية بديلة.