حقوق النشر بين الأحكام القضائية والمبادئ المستخلصة
حقوق النشر بين الأحكام القضائية والمبادئ المستخلصة
قراءة في قانون حماية حق المؤلف لسنة 2013 والمنشور القضائي لسنة 2009
أولاً: الإطار القانوني لحماية حق المؤلف:
نظّم المشرّع السوداني حماية حق المؤلف والحقوق المجاورة بموجب قانون حماية حق المؤلف والحقوق المجاورة والمصنفات الأدبية والفنية لسنة 2013، مقرراً القاعدة العامة المتمثلة في خضوع المصنفات المبتكرة للحماية القانونية، واستثناءً من ذلك استبعد صراحةً بعض المصنفات من نطاق الحماية تحقيقاً للمصلحة العامة, ومن أهم هذه الاستثناءات ما نصت عليه المادة (6/ب) من القانون، إذ قررت أن: "لا تشمل الحماية المقررة بمقتضى أحكام هذا القانون الوثيقة الرسمية." وقد تولّت المادة (3) من ذات القانون بيان المقصود بالوثيقة الرسمية، فنصّت على أنها: "أي وثيقة رسمية تصدرها الدولة أو إحدى الهيئات أو المؤسسات أو الوحدات التابعة لها، وتشمل نصوص القوانين والقرارات الجمهورية والإدارية، والاتفاقيات الدولية، والأحكام القضائية، وأحكام المحكمين، والقرارات الصادرة من اللجان الإدارية ذات الاختصاص القضائي." وبذلك يكون المشرّع قد وضع قاعدة قطعية مفادها أن الأحكام القضائية وثائق رسمية تخرج عن نطاق الحماية المقررة لحق المؤلف وتؤول إلى الملك العام.
ثانياً: الأحكام القضائية والسابقة القضائية في ميزان حق المؤلف:
لا خلاف قانوناً في أن الحكم القضائي، بمنطوقه وأسبابه، يُعد وثيقة رسمية لا تتمتع بحماية حق المؤلف. غير أن الإشكال يثور حول السابقة القضائية والمبادئ التي تُستخلص من تلك الأحكام, والحق أن السابقة القضائية نفسها هي نتاج جهد ذهني وفكري أصيل بذله القاضي في فهم النصوص، وتكييف الوقائع، وترجيح الآراء، غير أن هذا الجهد على أهميته لا يُنشئ حقاً من حقوق النشر، ذلك أن العبرة في الحماية ليست بوجود الجهد الذهني في ذاته، وإنما بطبيعة الجهة التي صدر عنها العمل وبالصفة التي صدر بها ,فالسابقة القضائية تصدر عن هيئة قضائية تابعة للدولة تمارس اختصاصها بوصفها سلطة عامة، لا بوصفها مؤلفاً خاصاً، ومن ثمّ فإن ما يصدر عنها حكماً كان أو مبدأً أو سابقة يُعد جزءاً من الوثائق الرسمية المملوكة للكافة، عملاً بتعريف المادة (3) وبالاستبعاد الوارد في المادة (6/ب) من قانون 2013. وعليه، فإن:
السوابق القضائية ملكية عامة، ولا يرد عليها حق نشر أو احتكار، ولا تتحول إلى مصنف محمي لمجرد ما تنطوي عليه من اجتهاد أو ابتكار قانوني.
ثالثاً: المبادئ القضائية المستخلصة والعمل الرسمي التابع للدولة:
يمتد حكم الاستبعاد من الحماية ليشمل كذلك أي عمل فكري لاحق تقوم به جهة رسمية تابعة للدولة في إطار وظيفتها القانونية، متى كان هذا العمل متصلاً اتصالاً مباشراً بوظيفتها العامة، و صادراً باسم الدولة، و مقصوداً به خدمة العدالة أو توحيد الاجتهاد أو نشر المعرفة القانونية , ويشمل ذلك على سبيل المثال لا الحصر : 1- استخراج المبادئ القضائية 2- تلخيص الأحكام، 3- تصنيفها أو فهرستها أو ترتيبها، 4- إعداد الديباجات والمرجعيات التشريعية المصاحبة لها، فمتى كان هذا العمل جزءاً من النشاط الرسمي لمرفق القضاء، فإن صفته الرسمية تطغى على طبيعته الفكرية، ولا ينهض سبباً لاكتساب حماية حق المؤلف، إذ لا يجوز قانوناً تحويل ما هو مملوك للكافة إلى محل استئثار خاص إلا بنص تشريعي صريح، وهو ما خلا منه قانون حماية حق المؤلف لسنة 2013.
رابعاً: المنشور القضائي لسنة 2009 ومدى حجيته القانونية:
صدر المنشور القضائي بتاريخ 1 أكتوبر 2009م عن رئاسة السلطة القضائية، وذهب إلى التفرقة بين الأحكام القضائية التي تدخل في الملك العام، والمبادئ القضائية المستخلصة التي اعتبرها مصنفات محمية, غير أن هذا المنشور، من حيث طبيعته القانونية، منشور إداري تنظيمي لا يرقى لمرتبة التشريع، ولا يُنشئ قاعدة قانونية عامة، ولا يجوز له تقييد حق كفله القانون أو إنشاء حماية لم ينص عليها المشرّع , وبالتالي فإن قوته الإلزامية تظل محصورة في الإطار الإداري الداخلي، ولا تمتد إلى تقييد الجمهور أو فرض قيود على تداول المعرفة القانونية خارج نطاق ما أجازه القانون.
خامساً: التعارض الظاهري وحسمه قانوناً:
من الوهلة الأولى يلاحظ وجود تعارض بين قانون حماية حق المؤلف لسنة 2013، والمنشور القضائي لسنة 2009، حيث أن قواعد التدرج التشريعي تقضي بأن: "القانون يسمو على ما عداه، ولا يُقيد بمنشور أو لائحة أو توجيه إداري." وعليه:
1/ يسري نص القانون باعتباره الأعلى مرتبة،
2/ يفسَّر المنشور إن أمكن بما لا يخالف أحكامه،
3/ يطرح جانباً كل تفسير يؤدي إلى إضفاء حماية قانونية على ما استبعده المشرّع صراحة.
الخلاصة :
تقول أن:
1. الأحكام القضائية والسابقة والمبادئ المستفادة منها تعد وثائق رسمية تؤول إلى الملك العام.
2. الجهد الذهني والفكري الرسمي، مهما بلغ، لا يُنشئ حق نشر إذا صدر عن جهة عامة وباسم الدولة.
3. استخراج المبادئ القضائية أو فهرستها أو نشرها من قبل جهة رسمية لا يخضع لحقوق النشر.
4. القانون هو المرجع الأعلى، ويعلو على أي منشور إداري سابق أو لاحق.
وبذلك يتحقق التوازن بين حماية الإبداع الحقيقي من جهة، وصون مبدأ علنية القضاء وحرية تداول المعرفة القانونية من جهة أخرى، دون إخلال بقاعدة سيادة حكم القانون.
MEELAWFIRM
18ديسمبر 2025
اطلع على :
قانون حماية حق المؤلف و الحقوق المجاورة لسنة 2013
منشور قضائي في حق المؤلف في الاحكام القضائية